فخر الدين الرازي

173

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة ، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان . وفي العروق هضم ثالث . وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع . ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة ، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء ، وذلك هو النطفة ، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسما مختلف الأجزاء والطبائع . إذا عرفت هذا فنقول : النطفة في نفسها إما أن تكون جسما متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية ، أو مختلف الأجزاء فيها ، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث ، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار . والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة ، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة ، لوجب أن يكون شكلها الكرة . وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة ، بل فاعل مختار ، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة والماهية فنقول : بتقدير أن يكون الأمر كذلك ، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه : الوجه الأول : أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة ، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة ، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل ، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمرا دائما ولا أكثريا ، وحيث كان الأمر كذلك ، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم . والوجه الثاني : أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع ، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسما بسيطا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك ، لأن تلك التأثيرات متشابهة ، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم ، وهو المطلوب ، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار . وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله : فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في بيان وجه الاستدلال وتقريره : أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهما وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات ، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجئ إلى الأم ، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم ، لا يميز البتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ، فظهر أن الإنسان في أول